الكماليات تسرق حياتنا الخاصة

لا أعلم إذا كانت هذه التدوينة نوع جديد من المثالية في نظر الكثير أو أنني أتحدث بلا وعي حول ما يحصل بيننا في المجتمع وكيف السلوكيات والأساسيات أصبحت تتغير كثيراً وأصبح لدينا مشكلة كبيرة مع المال حيث ننظر لأشياء الغير ونتأمل في حياتهم وما يملكون ونطمح بمزيد من الحياة وأن حياتنا ناقصة لعدم مجارة متطلبات المجتمع وما يريد مننا لنوازن حياتنا بحياتهم.

أحد الافكار التي بدأت أتعايش معها كثيراً بعد قضاء ما يقارب الشهر في مخيمات اللاجئين في اليونان وتكوين صداقات مع المتطوعين من خارج ثقافتنا وحياتنا ومجتمعنا.

كيف أن الحياة المادية أصبحت طاغية علينا بشكل كبير وأصبحت الماديات والكماليات مهمة كثيراً في حياتنا اليومية.

تجد أسرة في منزل خاص بهم ويتعدى مساحة ٣٠٠م  وهذه المساحة لا تتناسب مع دخل الأسرة المادي ومع ذلك الديون والقروض أثقلت كاهل رب الأسرة ليحقق (البيت الحلم) رغم كونهم في منزل سابق أصغر ورغم عدم تأثر حياتهم بأي طريقة كانت بحجم المنزل لكن يريدون الأكبر فالكل يملك الأكبر لماذا نحن ؟

في منزلهم الجديد لايزالون يرغبون بمنزل أكبر من هذه المساحة وترى ألسنتهم تلهج بالذكر حين يشاهدون ذلك القصر الشامخ ويتمنون ما لدى صاحب هذا المنزل كي يعيشون عيشة هنية كما يعيش هو.

في منزلهم الصغير تجد الأثاث باهظ الثمن الذي اختارته الأم من أرقى المحلات والأماكن ، رغم قلة الزيارات لهذا المنزل ورغم توسط حالتهم المادية لا يزالون يختارون الكثير من المظاهر لأن المجتمع يطلب منهم هذا المظهر.

الأواني سيتم تجديدها كل فترة من الزمن لأن بعض الزيارات العائلية التي حصلت في المنزل ستجبر ربة البيت بالتجديد كي لا ينظرون لها نظرة مختلفة عن بقية الناس.

العائلة كلها من صغيرهم حتى كبيرهم يمتلكون أجهزة حديثة الصنع باهظة الثمن رغم حداثتها ولا سبب لتغيرها ، فالسبب الوحيد هو أن الزمن طال عليها حيث أكملت سنة منذ اطلاقها في السوق.

السيارة لأنها لا تحمل تلك العلامة التجارية المميزة سيضطر الأب لشراء علامة تجارية أفضل حتى إن اضطر أن يتحمل الاقساط والديون التي عليه.

الفتاة ستشتري فستانها وترتديه مرة واحدة وستضطر للتخلص منه حتى لا يقال عنها أنها لا تملك غيره ، رغم امتلاء خزانتها بكل جديد ، ستبحث عن الجديد.

وتبقى العائلة في سباق لا ينتهي في المادية والمظاهر الغير مهمة وهم المتضرر الاول والاخير وكل هذا السباق من أجل نظرة الناس حولهم.

أنا لا اتكلم عن أشخاص تعتمد مشترياتهم على حاجتهم ، حتى وإن كانت باهظة الثمن وعالية الجودة ، هذا اتخذ مسار حياة مختلف قد لا أرى فيه مشكلة واضحة.

أتفهم من يشتري منزل أكبر لزيادة عدد الأسرة.

أتفهم من يشتري الهاتف لانتهاء صلاحية ما قبله ، أتفهم من يشتري عدد من الهواتف لطبيعة عمله ، أتفهم من يشتري نوع محدد من السيارات لاحتياج واضح كالمساحة والراحة وغيرها.

اتفهم كل شخص يعيش لأجل نفسه لا لأجل الاخرين ، بمعنى أن خياراته هي مبنيه على احتياج واضح وليس على كماليات هو لا يريدها لكن نظرة المجتمع له تجبره على اقناءها.

بعد عودتي من اليونان ودخولي لغرفتي والتي استوعبت بعد برهة من الزمن أنها بحجم منزلين في مخيم اللاجئين ومساحة الغرفة ستكفى لعائلتين مكونة من ١٠ أشخاص وقد يزيدون.

تذكرت أنني امتلك هاتفين رغم أن احتياجهم واضح لدي ، لكن عائلة محمد في المخيم تمتلك هاتفين يتشاركونها بينهم كعائلة من أراد الخروج يأخذ احد الهواتف ويبقى الاخر ليسهل التواصل ، هم عائلة مكونة من ٦ أشخاص.

قد أتململ من الأكل اليومي الذي اشارك فيه عائلتي أو المطاعم التي أزورها ، حيث أعاني من التكرار ، رغم قدرتي المادية على الشراء والأكل متى ما أردت واشتهيت ، العوائل في المخيم حياتهم الروتينية التي تتكرر كثيراً ، نفس المكان والأشخاص والحياة والأكل أيضاً.

لا أعتقد أني شخص يعيش للمجتمع ومن أجل من المجتمع ، لكن يوجد الكثير من الكماليات في حياتي التي لا أحتاجها والتي كان اقتنائها قراراً غير مبراراً.

المنظور الأخر من الاصدقاء الجدد ممن تعرفت عليهم في اليونان حيث رغم بساطة دخلهم المادي وحياتهم المادية إلا أنهم لا يزالون أحياء يرزقون يستمتعون بحياتهم كثيراً ، تجد الكثير منهم أتى متطوع مع المنظمة بأقل الاحتياجات ، وكثير منهم لديه تجارب سفر عظيمة وحياة مختلفة رغم توسط حالته المادية، سأجد أن المشترك بينهم هو عدم حرصهم على أي نوع من الكماليات والتركيز على احتياجهم الشخصي.

تجد البساطة في كثير من حياة الاشخاص ظاهرة عليهم في كل شي وأجد انهم يعيشون حياة مختلفة تماماً عن حياة الكثير من الاشخاض في المجتمعات الكمالية.

ماذا لو كنت شخص تعيش على الاحتياجات وتقلل الكماليات من حياتك ؟ أعتقد ستجد متسع كبير لحياتك التي كان من المفترض عليك أن تعيشها ، والاتساع سيكون في جميع نواحي الحياة.

اعتقد أن الحياة البسيطة جداً بالاحتياجات الشخصية والبعد عن أي نوع من مظاهر الشراء المجتمعي وتقليل خوفك من نظرة الناس سيساعدك بحياة مختلفة تعيشها وفق ما تريد أنت.

الكماليات أصبحت فوق الأساسيات بطريقة غريبة نوعاً ما ، اهتمامك الكبير بالكماليات والمظاهر قلل من فرصتك في السفر في ممارسة موهبتك ، في قضاء وقت لك ولنفسك ، في شراء تلك الحياة الخاصة بك.

قد يكون مفهوم الكماليات لدي مختلف ؟ لا أعلم

لكن أعتقد أن تخلصنا من هذا النوع من المظاهر سيضع مساحة أكبر لحياتنا الخاصة.

 شاهد الفيلم الوثائقي Minimalism: A Documentary About The Important things

MV5BMTkwNzU1OTEzNV5BMl5BanBnXkFtZTgwODY5NzA3NTE@._V1_SY999_CR0,0,667,999_AL_ (1)

One thought on “الكماليات تسرق حياتنا الخاصة

  1. مقال رائع، يبدو أن رحلتك لليونان أحدثت الكثير في داخلك ، للأسف ثقافة الإستهلاك لدينا تحتاج لتغيير ومهم أن نغير نظرتنا للسعادة والشعور بالرضى هل هو فعلاً بتملك المزيد ومجارات الغير ؟!أم أن ذلك بأفعال أخرى لم نجربها من قبل ،هل هو بالأخذ والزيادة أم بالعطاء والبذل ، قد يكون التطوع بحد ذاته دواء رائع وتهذيب للرغبات ومنح للرضى والسعادة فنشره في مجتمعنا قد يكون حلاً ما رأيك ؟

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s